أثر الغلو والتطرف على الأمن الفكري

ورقة بحثية عن أثر الغلو والتطرف على الأمن الفكري قدمها فضيلة الدكتور / برير سعدالدين السماني عميد مركز التأصيل بجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم ،،،

بسم الله الرحمن الرحيم

جمهورية السودان

وزارة الإرشاد والأوقاف

 

الملتقى الدعوي الثامن

ولاية سنار

 

ورقة بعنوان :

أثر الغلو والتطرف على الأمن الفكري

إعداد :

د. برير سعدالدين السماني

عميد مركز التأصيل

جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم

 

مقدمة :

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . وصلي اللهم على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد .

اما بعد :

فهذه ورقة علمية تتناول موضوع أثر الغلو والتطرف على الأمن الفكري تشكل مساهمة متواضعة في محاولة لحل مشكلات أمة الخيرية والوسطية والشهادة على الأمم . قسمت لعدة محاور على النحو الآتي :

1 – الإطار المفاهيمي للغلو والتطرف والأمن الفكري والألفاظ المرادفة .

2 – نظرة الاسلام لهذه المفاهيم .

3 – اسباب الغلو والتطرف .

4 – أثر الغلو والتطرف على الأمن الفكري .

5 – الحلول والمقترحات والتوصيات .

الإطار المفاهيمي :-

الغلو(1) : وهو مجاوزة الحد, قال تعالى : ( ولا تغلوا في دينكم ) . (النساء: 171)

التطرف الديني : التطرف في اللغة(1) الوقوف في الطرف بعيدا عن الوسط وفي الاصطلاح هو مجاوزة حد الاعتدال في السلوك الديني فكرا وعملا , أو الخروج عن مسلك السلف في فهم الدين والعمل به سواء بالتشدد أو التسيب والتفريط . والتطرف هو التعصب للرأى وعدم الاعتراف بالآخر والتزام التشدد مع قيام موجبات التيسير . ومن أسمائه الغلو , التنطع , التشديد , التعصب والجمود . (2)

التفسير النفسي للتطرف : التطرف انحراف يبدأ في دائرة الفكر (انحراف فكري)، ثم الوجدان (الانفعال)، إلى أن يصل إلى السلوك، وذلك بممارسة الإقصاء، والتعدي والعنف اللفظي، أو البدني ضد الغير.

مستويات التطرف : التطرف يبدأ بالعقل ثم ينتقل إلى السلوك، وله ثلاثة مستويات

  1. المستوى العقلي والمعرفي : ويتمثل في انعدام القدرة على التأمل والتفكير .
    1. المستوى الوجداني(الانفعالي) : المتمثل بالاندفاعية في السلوك .
    2. المستوى السلوكي المتمثل في ممارسة العنف على الآخرين . (3)

 

الأمن في اللغة(1): الطمأنينة وهو ضد الخوف , وقيل : هو عدم توقع المكروه في الزمن الآتي أو الحاضر .

الأمن اصطلاحاً: اطمئنان الفرد والأسرة والمجتمع على أن يحيوا حياة طيبه بالدنيا ولا يخافوا على أموالهم ودينهم ونسلهم من التعدي عليهم بدون وجه حق.

الفكر لغة (1): إعمال الخاطر لشيء .

 

الفكر اصطلاحاً : جملة ما يتعلق بمخزون الذاكرة الإنسانية من الثقافات والقيم والمبادئ الأخلاقية التي يتغذى بها الإنسان من المجتمع الذي ينشأ فيه ويعيش بين أفراده .

 

الأمن الفكري : هو حفظ العقول من المؤثرات الفكرية الضارة المنحرفة عن طريق الاستقامة سواء في مجال الشهوات أو الشبهات . فالله جل وعلى يقول(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) (الأنعام: 82)

فمفهوم الأمن الفكري أخذ يحل محل مفهوم آخر كان هو الشائع، وهو مصطلح ( الوسطية ) . والأمن الفكري جزء من الأمن الشامل الذي يعتبر مسؤولية الأمة بجميع فئاتها. قال صلى الله عليه وسلم ( من بات آمناً في سربه معافىً في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) .

 

لقد شرع الله سبحانه وتعالى للإنسان ما يُصلح له حياته كلها حتى يحيى آمناً سعيداً, قال الله تبارك وتعالى : ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى) (طه : 123 – 124).

ففى إتباع شريعة الإسلام الأمن والهداية في الدنيا والسعادة في الآخرة , ولا يضلُ ولا يشقى, وإن الإِعراض عن شريعة الله تبارك وتعالى يؤدى إلى ضنك الدنيا وشقاء الآخرة . إن الحياة كلها بمعانيها ونماذجها البشرية وغير البشرية تبقى وتستمر إذا وضعت لها الاستقامة منهجا .

التعصب: شعور داخلي يجعل الإنسان يرى نفسه على حق ويرى الآخر باطل ويظهر هذا الشعور بصورة ممارسات ومواقف متزمتة ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته. وفي الدراسات النفسية فان التطرف مرادف للتعصب.

الإرهاب لغة : الإرهاب مصدر أرهب يرهب إرهاباً من باب أكرم وفعله المجرد (رَهِب) , والإرهاب والخوف والخشية والرعب والوجل كلمات متقاربة تدل على الخوف . (4)

الإرهاب شرعاً: قسمان هما :

قسم مشروع . شرعه الله لنا وأمرنا به وهو إعداد القوة والتأهب لمقاومة أعداء الله ورسوله قال تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) .

قسم مذموم . وهو الغيلة والغدر المنهي عنهما في الاسلام .(5)

 

 

نظرة الاسلام لمفاهيم الغلو والتطرف والآمن الفكري :-

 

قال تعالى ) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ) ( المائدة : 77 )

وقال صلى الله عليه وسلم ( إياكم والغلو في الدين فانما هلك من قبلكم بالغلو في الدين ) ( رواه مسلم )

وقال صلى الله عليه وسلم ( هلك المتنطعون ) قالها ثلاثا . (رواه مسلم ) قال النووي هم المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم .

وقال صلى الله عليه وسلم ( لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فان قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار ) ( رواه أبو يعلى في مسنده ).

وقال صلى الله عليه وسلم ( أكلفوا من الأعمال ماتطيقون فان الله لا يمل حتى تملوا وان أحب الأعمال إلى الله أدومه وان قل )( رواه الشيخان ).

ومن أشهر الأحاديث في هذا الباب حديث ذو الخويصرة التميمي الوارد في الصحاح .

وقال الله تعالى ( أَوَلَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءامِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شيء رّزْقاً مّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)

وقال تعالى ) فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءامَنَهُم مّنْ خوْفٍ (

وقال تعالى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)

وقال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً )

وقال تعالى( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلاْمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً(

قال القرطبي : (والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئًا من الأمور فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، – أَوِ ٱلْخَوْفِ وهو ضد هذا أَذَاعُواْ بِهِ – أي: أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته). كما نقل عن الضحاك: أنهم المنافقون، فنهوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف. وقال القرطبي أيضًا: قوله تعالى:(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْهُمْ) أي: لم يحدثوا به ولم يفشوه، حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به ويفشيه . أو اولو الأمر وهم أهل العلم والفقه . (6)

وخير شاهد على هذا ما تعيشه دول العالم اليوم، ومنها الدول الإسلامية، وإن كانت الشواهد قائمة منذ الصدر الأول في الإسلام عندما سنّ الخوارج تلك المآسي في تاريخ الإسلام في عهد الخليفتين الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وما بعدهما إلى هذا الزمان .

فقد ذكرت مشتقات هذه المادة أكثر من ثمانمائة (800) مرة في كتاب الله عز وجل .
فالمؤمنون والإيمان والأمانة والأمين والأمن كلها كلمات تدل على معنى الراحة والسكينة وتوفير السعادة والاستقرار ورغد العيش والبعد عن الخوف والحزن لمن أطاع الله سبحانه . (7)

يتضح من هذه الأدلة محاربة الاسلام للغلو والتطرف ودعوته للأمن والطمأنينة , والنصوص في هذا الباب كثيرة وأقوال أهل العلم مبسوطة .

 

 

أسباب الغلو والتطرف:-

1 – انصراف البعض عن إتباع المرجعية الدينية في مجال الفتوى، معرضين عن قوله تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )

2 – البث الفضائي المرئي والمسموع وشبكة الإنترنت ، مما جعل مصادر التلقي في مجال الفكر والتربية متعددة ومتنوعة ولم تعد محصورة بالوسائل التقليدية كالمدرسة والمسجد والأسرة ، وقد حمل هذا الطوفان غثاًّ كثيراً وثميناً قليلاً ، إضافة إلى تسويق الانحرافات السلوكية والأخلاقية التي جعلت تيار الوسط يفقد كثيراً من سالكيه لصالح تيار الجفاء والتفريط في ثوابت الفكر والخلق في أكثر الأحيان أو تيار الغلو والإفراط في أحيان أقل

3 – غلبة الشحن العاطفي على الجانب العلمي في الخطاب الديني، حيث ركز البعض على أفضل ما في الماضي وأسوأ ما في الحاضر، مما أشاع جواًّ من اليأس والإحباط والرغبة في إحداث التغيير ولو بطرق غير مشروعة

4 – عدم رد المتنازع فيه إلى الثوابت الدينية المتفق عليها ، وهذا الخلل الفكري أدى إلى اختلاف الرؤى والتوجهات، فاحتكم أهل الغلو إلى أهوائهم ، دون رجوع إلى الثوابت من نصوص الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح ، قال تعالى ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) وقال ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول}، وقال تعالى ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىمن الله )

5 – القصور الإعلامي في توجيه الشباب وتحصينهم ضد الأفكار المخالفة ، وعدم الأخذ بجميع الطرق والأساليب المتاحة لتقويض ثقافات الإباحية والعلمانية وإزالة فساد الفكر القادم من الشرق والغرب التي تعج بها كثير من الفضائيات وشبكة المعلومات .

6 – التقصير في أداء المسؤولية من المعنيين بذلك سواء كانوا قادة أم علماء أم سياسيين أم كتاب ومثقفين أم أدباء أم مفكرين أم غيرهم من القيام بما أنيط بهم من واجب توفير الأمن الفكري للمجتمع والشباب خاصة

7 – الجهل وأنصاف المتعلمين وعدم الفهم الصحيح والتقصير في مصدر التلقي السليم والانسياق وراء التعصب المقيت والتحزب المذموم .

وقد أوصل بعض الباحثين هذه الأسباب إلى مايزيد عن العشرين على النحو التالي :

 

  1. عدم معرفة الله حق معرفته ، وقدره حق قدره .
    1. سوء التنشئة الاجتماعية.
    2. هامشية المؤسسات الاجتماعية.
    3. بيئات التوتر والصراع .
    4. قوة الجماعة المرجعية .
    5. المنهج التعليمي الخفي .
    6. وسائل الإعـــلام .
    7. الإعجاب بالرأي.
    8. التمسك بالأفـكار القديـمة

10. التعصب والتحـيز

11. التقليد الأعمـى

12. الفراغ المصحوب بفقر او غنى

13. التعميم والتسرع في الأحكام

14. عدم وضوح بعض المفاهيم الشرعية في أذهان البعض مثل الوسطية.

15. ضعف الجانب الوطني لدى البعض في الدفاع عن بلادهم .

16. الحماس الديني غير الموجه المبني على الجهل بالمنهج السليم.

17. ضعف التربية الأسريه وعدم الإحساس بمشاكل الأبناء .

18. قرناء السوء الذين يدعون للانحراف .

19. غفلة بعض المربين عمّا يدور في مدارسهم من سلوكيات وأفكار مختلفة.

20. عدم قيام المساجد بدورها في تحصين الشباب من مثل هذه الفئات.

21. عدم قيام المؤسسات التعليمة في تحصين طلابها.

22. الحماس الديني دون وعي. (8)

 

أثر الغلو والتطرف على الأمن الفكري: –

1 – أزمة الفكر :

تشير ظاهرة انتشار الإرهاب في العالم إلى أزمة فكرية تعيشها المجتمعات المختلفة التي ترتبط بفلسفة العنف في تحقيق أهدافها . ولقد عانت عدة دول من هذه المظاهر فأضحى غياب التسامح وحضور التعصب سمتين بارزتين تؤسسان للتطرف الأيدلوجي والعنف السياسي أو الإرهاب الفكري والمادي بصور عدة . ويرى كثير من الباحثين أن العنف والقتل هما عقيدة أساسية ضمن عقائد الإسلام السياسي واستدلوا على ذلك بمسلك الجماعات الإسلامية المتطرفة في عدد من الدول منذ مطلع السبعينات وحتى أيامنا هذه، وذلك بتحريف مفهوم الجهاد وتحويل بعض الشباب إلى مجاهدين لكن ضد أوطانهم ومجتمعاتهم.

والمشكلة أن هؤلاء يرفعون شعار تطبيق الشريعة والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي الوقت الذي تشمل المنظومة الإسلامية قيماً كبرى مثل العدل والأخوة والرحمة والمساواة والتسامح ، فإن تلك التيارات تطبق ما تدعو إليه بكثير من الانحراف عن المنهج الوسطي ويلامس أعمالها كثير من العنف والقسوة والفجاجة والظلم ، ولم تبق فرصة للعقل كي يفرق بين الخطأ والصواب، وبين الظلم والعدل والقتل والرحمة . إن الفصل الخاطئ بين التطرف والتعصب السياسي والديني والفكري من ناحية، وبين العنف والإرهاب من ناحية أخرى، هو الذي هيأ الأرضية لانتشار ظاهرة الإرهاب وانتقالها بين المجتمعات، وهو ما يؤكد أن العنف والإرهاب إفراز طبيعي للتطرف والتعصب وأن معالجة الظاهرة الفرعية مهما كانت الوسائل المستعملة ، لا تستقيم دون معالجة الظاهرة الأصلية، بنشر المنهج الصحيح والوسطية وحث الشباب على الالتفاف حول العلماء ، ونشر الفهم الصحيح لنصوص الجهاد وأحكامه وشروطه.

2 – التفرق والتشرذم :

وهذا التشدد قد تسبب في ضياع كثير من مصالح المسلمين ، بل الأدهى من ذلك تنافر القلوب ، وفي هذا الشأن نذكر ماكتبه الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في مجلة الأمة القطرية أنه سافر لأميركا ، وعندما حان وقت الصلاة ذهب لمسجد في قلب العاصمة (واشنطن) فوجده مغلقاً تحرسه الشرطة ، قال : فتساءلت في نفسي هل منعت الحكومة الأمريكية المسلمين من إقامة شعائر دينهم ؟ … ولكن عندما سألت رجال الشرطة عن سبب إغلاق المسجد ؟ أجابوا بأن المسلمين في حالة ثورة وشغب فيما بينهم (9).

3 – التكفير:

ونعني به تكفير صاحب الرأي المخالف ، وهذا ايضاً مظهر للغلو ينبني عليه البراء فتسقط حرمة من حكم عليه بالتكفير ، ويستباح دمه وماله , وظاهرة التكفير هذه كانت السمة المميزة للخوارج قديماً ، حيث استباحوا الدماء بإعمال سيوفهم في المسلمين ، بعدما كفّروا مرتكب الكبيرة , بل اعتبروا الخطأ في الرأي ذنباً واتخذوا هذا مبدأً للتبرئة والولاية ، فمن ارتكب خطأ تبرئوا منه وعدوه كافراً ، ومن اتبع رأيهم وسلم من الذنوب في ظنهم تولوه ، ولذلك تبرئوا من سيدنا علي بن أبي طالب لقبوله التحكيم ، كما تبرئوا من أم المؤمنين عائشة ، وكذلك طلحة والزبير ، أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص وغيرهم (10)

ولعلّ ذلك يعود إلى أنهم قرئوا القرآن ولم يتفقهوا في السنن الثابتة عن رسول الله صلى الله علية وسلم ، وهكذا يكفّر بعضهم بعضا عند اقل نازلة تنزل بهم ، من دقائق الفتيا وصغارها (11)

مما تسبب في إعاقة الطريق نحو وحدة المسلمين والخطورة في إبعاد السنة المطهرة أن القرآن الكريم حمّال ذو وجوه ، فيتأولونه بغير المراد منه ، وفي هذا الشأن روي أن ابن عباس قال لعلي بن أبي طالب عندما قال له : أحمل الخوارج على السنة فقال له ياأمير المؤمنين ! فأنا اعلم بكتاب الله منهم ، في بيوتنا نزل ، قال : صدقت ، ولكن القرآن حمّال ذو وجوه تقول ، ويقولون ولكن خاصمهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيطاً فلم تبقى بأيديهم حجة (12).

وهذه الظاهرة تبنتها في مفهوم اليوم مايسمى بـ (جماعة التكفير والهجرة) والتي يسميها أفرادها (جماعة المسلمين) والتي نشأت كرد فعلٍ للبعد عن الحكم الإسلامي فكفّروا الحكام والمحكومين (13)

بل عدو من لم ينخرط في جماعتهم كافراً ، مستشهدين بالحديث : (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) (الحديث) متأولين أن الجاهلية هنا تعني الكفر ، وأن الجماعة المقصودة هي جماعتهم لإتزامها بالإسلام الصحيح في هذا العصر .

وذهب جماعة التكفير إلي تكفير مرتكب الكبيرة بإعتبار أن كلمة (كفر) استخدمت على نقيض الإيمان ، وهي تشمل على كلمات الفسق والظلم والعصيان , وهذه الكلمات الثلاث تدل على معنى واحد وهو الكفر المخرج عن الملة (14)

وعلى ذلك أنكروا التفرقة بين كفر الملة ، وكفر النعمة وساووا بين الخطأ في الاعتقاد والخطأ في العمل.

ومما فكرت فيه هذه الجماعة اعتزال المجتمع ، فسكن أفرادها في قرى منعزلة في الصحراء بعيداً عن المجتمع (الجاهلي) فلجأوا إلى الكهوف والجبال والمغارات (15)

ومع رمي هؤلاء للمجتمع بالكفر فإنهم لم يحاولوا هدايته أو إصلاحه ، بل ذهبوا إلى أن المجتمع الكافر الجاهلي لاينبغي إصلاحه، كما يجب السعي إلى تحطيمه والقضاء عليه ، أما محاولة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا مكان لها في مثل هذه المجتمعات ، إذ أنها تضمن الشهادة لها بالإيمان! ومن ثم اعتبروا تخريب المجتمع وتقويض دعائمه من الواجبات الشرعية لأنه مجتمع جاهلي ، وتبعاً لذلك الفهم استخدموا كثيراً من وسائل التخريب وإتلاف الأموال العامة ، وتحطيم قوى مخالفيهم ، كما أباحوا قتال المرتدين من جماعتهم (أي الذين رجعوا عن فكر التكفير واعتزال المجتمع). وإيقاع المظالم بهم، ومحاربته بشتى الوسائل، وإيذائهم بشتى أنواع الإيذاء باعتبار أن ذلك من الإيمان (16). كما يدعون.

وهذا الفكر التكفيري تظهر خطورته لما ينبني عليه من سفك الدماء واستباحة للحرمات وإشاعة للفوضى في مجتمع المسلمين . ويتضح هذا كله من خلال ما يجري من أحداث تثير الرعب في نفوس المواطنين في العديد من البلدان , وقد عانت بلادنا بعضا من هذه الويلات .

الحلول والمقترحات والتوصيات :

حتى يتحقق الأمن الفكري لابد من قيام كل قطاعات المجتمع بأدوارها على النحو الأتي:
(أ) يقع على عاتق المؤسسات التعليمية عبء كبير في عملية حماية الأمن الفكري لأمرين هما:
1- أن هذه المؤسسات تجمع جميع فئات المجتمع على اختلاف أعمارهم بداية من السن المبكرة التي تتمثل في المرحلة الابتدائية والمتوسطة وهذا السن يسمح للمعلم والمربي أن يصوغ الطالب بالصياغة التي يريدها فإذا لقي الطالب من يوجهه التوجيه السليم نشأ نشأة طيبة يجني ثمارها المجتمع كله ، وإن حصل غير ذلك فالعكس هو النتيجة الحتمية .

2- إن الذي يقوم على هذه المؤسسات هم من خلاصة المثقفين والمفكرين وفيهم يجب أن تجتمع الصفات الحميدة المؤهلة لإدراك أهمية الأمر والشعور بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عواتقهم.
ويمكن تلخيص دور التعليم في حماية الأمن الفكري من خلال المناهج والمناشط المدرسية والتعليمية المتنوعة و عدم حشو ذهن الطالب بالانتقادات التي تنمي عنده الشعور بالسلبية والبغض تجاه المجتمع و التركيز على تدريس الأحكام الشرعية في كثير من المسائل الأمنية كحد القتل والسرقة والحرابة وقطع الطريق والخروج على الحكام وقتل المسلم والمعاهد والذميّ وحد شرب الخمر والزنا وغير ذلك ليعرف مثل هذه الأحكام قبل أن يصطاده أصحاب الأفكار المنحرفة فيفسدون عليه فكرة والوقاية خير من العلاج.

(ب) مسؤولية العلماء والدعاة وتتمثل في أمور

الأول : تغليب الجانب العلمي والعقلي على الشحن العاطفي في الخطاب الديني.

الثاني : التحذير من المصادر الفاسدة التي يتلقى منها بعض الشباب أفكارهم ويعتبرونها المصادر الأساسية للتلقي .والمتأمل في مرجعية كثير من الشباب اليوم يجد أنها عدة مصادر :
منها : اتباع دعاة التكفير الذين استباحوا دماء المسلمين وأعراضَهم وأموالهَم . وخفروا ذمم المستأمنين الذين لهم عهد وميثاق يقودهم إلى ذلك الجهلُ بالنصوص الشرعية الواردةُ في كتاب الله والسنة النبوية.

الثالث : بيان وجوب طاعة ولي الأمر ، لقوله تعالى) يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).

وكما تجب طاعة ولاة الأمور فإنه يجب النصح لهم، وإظهار محاسنهم وإخفاء مساوئهم، ويحرم الكلام بما يوقع بغضهم في القلوب، أو ينفروا عنهم، ومن لم يقدر على النصح دعا لهم.
قال الأمام أحمد: لو علمت أن لي دعوة مستجابة لصرفتها لولي الأمر؛ لأن في صلاح ولي الأمر صلاح الرعية. وهذا من فقه الإمام أحمد، وثبت في الحديث) :إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تجتمعوا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم( رواه الإمام أحمد

لهذه النصوص ولغيرها قال بعض العلماء: لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء. فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة” رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني”. متفق عليه.

الرابع : التغليط في أمر الدماء وبيان حرمة سفكها لقوله تعالى (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً(، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:)لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار(. رواه البخاري ومسلم .
فإغلاق كل السبل المفضية إلى هذه الجريمة وجعل الحواجز التي تمنع المسلم من الوقوع في هذه الجريمة النكراء أمرٌ مطلوب شرعاً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح.(

إذا كانت الإشارة بالسلاح منهياً عنها، فكيف بالقتل.

(ج) مسؤولية الإعلام وتتمثل في القيام بدور وقائي مهم من خلال البرامج المختلفة وفق المحاورالآتية:
1- إظهار وسطية الإسلام واعتداله وتوازنه ، وترسيخ الانتماء لدى الشباب لهذا الدين الوسط وإشعارهم بالاعتزاز بهذه الوسطية امتثالاُ لقوله تعالى ) وكذلك جعلناكم أمة وسطاَ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً.(

2- التحذير من الأفكار المنحرفة وتحصين الشباب ضدها ، بتعريفهم بهذه الأفكار وأخطائها قبل أن تصلهم منمقة مزخرفة فيتأثرون بها؛ لأن الفكر الهدام ينتقل بسرعة ويصعب بعد ذلك حجبه، ولذا كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يسأله عن الشر مخافة أن يدركه.

3- إتاحة مساحة كافية للبرامج الحوارية الفكرية التي تناقش موضوع الانحراف الفكري وسبل تحقيق الأمن الفكري ، وتبين مفاسد الغلو والتطرف ، فالحوار الحر الرشيد هو احد أساليب تقويم الاعوجاج الفكري بالحجة والإقناع ؛ وإلا فإن البديل هو تداول هذه الأفكار بطريقة سرية غير موجهة ولا رشيدة مما يؤدي في النهاية إلى الإخلال بأمن المجتمع ، ومن تطبيقات هذه القاعدة في السنة النبوية قول بعض حدثاء العهد بالإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فطلبوا تخصيص شجرة يتبرك بها المسلمون ويعتقدون فيها مالا يحل اعتقاده في مخلوق ، وعلى الرغم من مصادمة هذا الطلب لثوابت العقيدة فإن البيئة الصحية التي كان المسلمون يعيشون فيها جعلت هذا الانحراف الفكري يظهر للسطح فوراً وتتم مناقشته في العلن مع القيادة العلمية والسياسية للأمة المتمثلة في النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن التطبيقات لهذه القاعدة في السنة النبوية أيضاً قول أحد الشباب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن لي في الزنا ، فهو يعرف تحريمه وبشاعته ومع ذلك يطلبه من أتقى الأمة وأنقاها؛لأن مجال الحوار الحر كان مفتوحاً معه صلى الله عليه وسلم دون خوف أو وجل فعالج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الانحراف الفكري في مهده ، ومن تطبيقاتها في عهد الخلفاء الراشدين بعث علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس لمناقشة الخوارج في حروراء ومحاورتهم بعد خروجهم وكان من نتيجة هذا الحوار رجوع الثلثين عن بدعتهم قبل المواجهة العسكرية معهم.

(د) مسؤلية الجهات الأمنية وتتمثل في الآتي :

1- التركيز على مناصحة المخطيء ودعوته إلى الرجوع عن خطئه، وبيان الحق بالمناقشة العلمية الهادئة دون اتهام للنيات فقد تكون صادقة ، لكنها لا تغني عن صاحبها شيئاً كما قال تعالى (وجوه يومئذٍ خاشعة عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية ) .

2- تعزيز دور هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام ، فقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على نزول العقوبة بالأمة إن لم تأمر بالمعروف ، وتَنْهَ عن المنكر . عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعاً : ” والذي نفسي بيده ! لتأمرنّ بالمعروف ، ولتنهونّ عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعون فلا يستجاب لكم “. رواه الترمذي.

وبيّن صلى الله عليه وسلم أن بداية انحدار بني إسرائيل كان يوم أن تركوا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . فقد أخرج الترمذي وأبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقي الرجل فيقول يا هذا! اتق الله ، ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثم قال (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) ثم قال : كلا والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهوّن عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم.)
ولذا فإن خيرية هذه الأمة وأمانها هو في التزامها بهذا الحبل المتين ، قال تعالى ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ)فبضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تزداد المنكرات، وبقوته تضمحل وتضعف ، فالنفس البشرية إما إلى خير أو إلى شر، لذا كانت مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية جماعية لتعلقها بالأمن الاجتماعي برمته.فعن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال( مثل القائم في حدود الله ، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَنْ فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولو نؤذ مَنْ فوقنا !! فإنْ تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن اخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ). رواه البخاري .

سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: “نعم إذا كثر الخبث). رواه البخاري ومسلم.

3- الأخذ على أيدي حملة الفكر المنحرف ، لكن يجب التفريق بين الانحراف الفكري الذي لم يترتب عليه فعل وبين من أخل بفعله بالأمن في مجتمعه ، فمن ظهر منه عمل تخريبي وثبت عليه شرعاً فيجب محاسبته على ما بدر منه .

4- منع المنحرفين فكرياً من الإخلال بالأمن الفكري للمجتمع ولو أدى ذلك إلى عزلهم وإجبارهم على عدم مخالطة الآخرين اتقاء لشرهم ، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً بليغاً لمثل هذه الحالة فقال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ،وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً (.

ويتبع ذلك التحذير الصارم من مجالسة أهل الانحراف الفكري الذين يريدون خرق سفينة المجتمع وإغراق أهلها بخوضهم في آيات الله وتجرؤهم على الفُتيا بغير علم ، قال تعالى ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره.)

(هـ ) مسؤلية الأسرة :

الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وصلاحها يعني صلاح المجتمع،وفسادها يعني فساد المجتمع. ومسؤولية الوالدين في حماية النشء من الانحراف الفكري تتمثل في عدة جوانب.

أولا: الجانب التربوي: فالتربية لا تعني توفير الطعام والشراب والكساء والعلاج فقط ، بل تشمل كذلك ما يصلح دين الإنسان وفكره وتوجهاته ومنهجه .وأهم ما يعتني به الوالدان هو: التربية العقدية فإذا صلحت العقيدة صلح ما سواها من أمور.

ومن أساسيات العقيدة التي يجب على الأبوين تربية أولادهم عليها بعد التوحيد وحب الله تعالى وحـب نبيه صلى الله عليه وسلم : حفظ أرواح المسلمين وأموالهم وأعراضهم . قال النبي صلى الله عليه وسلم في منى: ” أتدرون أيَّ يوم هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم،قال فإن هذا يوم حرام . أتدرون أيَّ بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . قال : بلد حرام .أتدرون أيَّ شهر هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم .قال:شهر حرام .قال: فإن الله حرَّم عليكم دِماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا”.فهذا توجيه نبويّ كريم يوجب على الآباء والأمهات تربية أولادهم على مضمونه وعدم التساهل والتهاون بما جاء فيه .
والتطبيق التربويّ لذلك هو زجرهم ونهيهم إذا خالف أي من المحرمات الواردة في الحديث فلا يقبل الأبوين منه غيبة إنسان،و لا أخذ حق إنسان أي كان بغير وجه حق وإذا حصل منه ذلك يبادر الوالدان بالتنبيه بخطورة ما قام به ، ويأمرانه أن يتوب ويستغفر الله، وينهيانه عن فعله مرة أخرى.فإذا رُبيّ النشء على هذا الهدي النبويّ فإنه يعيش في آمان مع نفسه ومع الآخرين في المجتمع.

ثانياً : الجانب التوعويّ: بمحاورة الأبناء ومناصحتهم ومناقشتهم في الجزئيات والتفاصيل ، ومن ثمرات هذا توعيتهم بأخطار لم يكونوا منتبهين لها ، أو تصحيح مفاهيم خاطئة لديهم .فالحوار وسيلة مهمة في بناء شخصية الأبناء

ثالثاً: الجانب الوقائي: يظن كثير من الآباء والأمهات أن دورهم في تربية أولادهم ينتهي عند بلوغ الأبناء سن البلوغ فيتركون لهم الحبل على الغارب ظناً منهم أنهم لم يعودوا بحاجة إلى توجيه ومتابعة ، وهذا خلل في التربية ينتج عنه مشاكله التي لا تحمد عقباها.ومن أبرز النقاط التي يجب على الأسرة أن تقوم بها في هذا الجانب :

1-عزل الأبناء عن وسائل الغزو الفكري ،وتقديم البديل النافع لهم من الوسائل المسموعة أو المرئية أو المكتوبة الموثوقة .

2-إبعادهم عن رفاق السوء. إذ لا يمكن أن تكتمل تربية الأسرة إذا كان لأولادهم رفاق سوء يهدمون ما بناه الوالدان فمعظم الجرائم،وتعاطي المخدرات ، والانحراف الفكري يقف خلفه رفاق السوء، ولا تخفى شدة تأثير الصاحب ؛ لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من جليس السوء . عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة “. فجليس السوء كنافخ الكير لابد أن يحصل منه ضرر وأذى.

3- ومن أدوار الأسرة الوقائية شغل أوقات الأبناء وتوجيه طاقاتهم عن طريق البرامج العلمية النافعة،والدورات التدريبية المفيدة،و ممارسة الرياضة البدنية فكل هذه وسائل بديلة للأسرة بدلاً لما يمكن أن يتعرض له الأولاد من وسائل الغزو والانحراف.

رابعاًً : الدور التعاوني:فالأسرة جزء من المجتمع ، وعليها تحرص على أمنه وسلامته وتتعاون معه على هذا ومن ذلك:

1- تربية الأولاد على مبدأ مهم جداً وهو أنهم رجال أمن يهمهم أمن المجتمع فلا يتأخرون في التعاون مع رجال الأمن.

2- تدريب الأولاد على فقه إنكار المنكر وكيف يكون! فإنكار المنكر له شروط : كالتفريق بين الواجب والمندوب من الأحكام.ومعرفة أحوال النّاس الاجتماعية ، وتأثيرها في سلوكهم.والعلم باختلاف الطباع والصبر. والرفق واللين ، ومعرفة درجات الإنكار وتقدير المصالح والمفاسد.

واخيراً يجدر بنا الوقوف عند هذه الدراسة التي اجريت على عدد من الحالات التي ادت لإختلال الامن الفكري :

ففي دراسة رشوان (2002م) والتي طبقت على (60) إرهابياً في مصر. بهدف التعرف على خصائصهم الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية.

1 – تبين أن غالبيتهم ينتمون للأحياء الشعبية والعشوائية.

2 – أعلى معدل للإرهابيين حسب الحالة الاجتماعية هم من العزاب.

3 – غالبيتهم من الشباب.في الفئة العمرية ( من 20-30 سنة).

4 – ينتمون لأسر يعمل رب الأسرة خارج المنزل طوال ساعات النهار.

5 – غالبيتهم تأثر بجماعة الأصدقاء.

6 – أن غالبيتهم من العمالة أو ممن يمتهنون المهن الحرفية ومن أصحاب الدخول المنخفضة .

7 – غالبيتهم شعروا بالندم والضجر والضيق من تصرفاهم.

8 – غالبيتهم من الأميين أو من يحمل المؤهل الابتدائي.

9 – غالبية آبائهم وأمهاتهم من الأميين أو اقل من الابتدائي.

ولقد أجاب أكثر من نصف المبحوثين أن سلوكهم الإرهابي ينهى عنه الدين.وغالبيتهم لا يحفظون أو يحفظون جزءاً يسيراً من القرآن الكريم.وأن أسلوب جذب الجماعة الغالب هو (تحريضهم ووعدهم بالمال)، ويليه ( من أجل مسح الفساد)، ثم ( من أجل الحفاظ على الدين).

وفي دراسة الشراري (2007م) حول اتجاهات الشباب السعودي نحو الإرهاب ، والتي طبقت على عينة بلغت (860) من طلاب جامعة الملك عبدالعزيز.

ومن أهم نتائج الدراسة :

حول النظرة الشخصية نحو الأشخاص الذين التقوا بهم .

ما نسبته (11.3%) يرون أنه مجند من جماعة مجهولة.

بينما ما نسبته (20.5%) يرون أنهم مغرر بهم.

وما نسبته (7.9%) يرون أنهم إرهابيين.

بينما أجابت الغالبية (60.3%) بأنه لا يعرفون.

ما نسبته (47.8%) التزموا الحياد.

حول توزيع المبحوثين حسب أسباب رجوع الشباب عن دعم الفئات الإرهابية.

أفاد ما نسبته (50.1%) لاقتناعهم بخطأ فكر تلك الفئات.

بينما ما نسبته (8.7%) لخوفهم من الملاحقات الأمنية.

وما نسبته (20.7%) لاقتناعهم بصحة منهج الدولة.(17)

خــاتمه :

بالنظر إلى هذه الدراسة والبحث فإن العامل الأكبر والأوضح في جذور المشكلة هو الجهل بالإسلام على وجهته الصحيحة وهذا ماظللنا نؤكد عليه من خلال الاوراق والكتابات فالمخرج من هذه الأزمات هو العلم الصحيح الذي كان عليه خيار هذه الامه إذ يحمل هذا العلم عن كل سلف عدوله فينفون عنه انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين فالسير على منهج الائمه الاعلام الذين تلقتهم الأمة بالقبول وأجمع عليهم المسلمون هو الطريق الأقوم وإعمال القواعد والأصول والضوابط المستقرة عند النظر في الفقه والفكر فيه الدواء الشافي والخير العميم وإلا تفرقت الأمة شذر مذر ونأمل أن تقوم الوزارة بهذا الدور عبر المركز العلمي العالمي الذي إقترحناه في الملتقى السابق بالتنسيق مع جهات الاختصاص .

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

 

 

 

 

الهوامش : –

1 – قاموس اللغة العربية المعاصر ولسان العرب لابن منظور .

2 – الصحوة الاسلامية بين الجحود والتطرف , د. يوسف القرضاوي ط 1 ص (40) .

3 – أثر عناصر العملية التعليمية في تحقيق الأمن الفكري , أ.د. محمد بن عبدالمحسن التويجري .

4 – المرجع السابق .

5 – الشيعة والتصحيح , د. موسى الموسوي ,1988 , ص (120) .

6 – أحكام القرآن للقرطبي ج 5 ص (291) .

7 – المؤسسات الدينية ودورها في تعميق الوعي الأمني ، أحمد سيف الدين ، ص (57) .

8 – أثر عناصر العملية التعليمية في تحقيق الأمن الفكري , مرجع سابق .

9 – مجلة الأمة القطرية ,العدد 38 .

10 – الفرق بين الفرق , البغدادي ,ص (72) .

11 – الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج4 ، ص (156) .

12 – السيوطي , الاتقان ج1 ص(185) .

13 – الحكم وقضية تكفير المسلم ، سالم البهنساوي , ص(363) .

14 – الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو , محمد سرور،ص(304 ) دار الأرقم 1986م .

15 – ذكرياتي مع جماعة المسلمين , عبدالرحمن أبو الخير ,ص (84) .

16 – دراسة عن الفرق وتأريخ المسلمين ,د. أحمد جلي ,ص(139) .

17 – أثر عناصر العملية التعليمية في تحقيق الأمن الفكري , أ.د. محمد بن عبدالمحسن التويجري .